تحولات سلوك المستهلك السوري في الأزمات: رؤى وتحليلات استراتيجية

/ / أبحاث السوق

هل حقًا يتغير نمط الشراء في الأزمات؟ تحليل معمق لسلوك المستهلك السوري تحت الضغط الاقتصادي

  • تواصل الأزمات الاقتصادية في سوريا تؤثر بشكل كبير على نمط الشراء.
  • التحول من الرغبة إلى الحاجة في القرارات الشرائية يعكس وضع السوق الحالي.
  • تحديات مثل عدم القدرة الشرائية وتدهور سلاسل الإمداد تؤثر على تفضيلات المستهلك.
  • المشاريع البحثية والإحصائية تساعد في فهم التغيرات السلوكية للمستهلكين.
  • استراتيجيات التأقلم تشير إلى ميزات جديدة في سلوك الشراء خلال الأزمات.

فهرس المحتويات

المشهد الاقتصادي السوري: بيئة اختبار حقيقية لسلوك المستهلك

لفهم التغيرات في نمط الشراء في الأزمات، يجب أولاً استعراض البيئة التي تعمل فيها العائلات السورية. لقد تجاوزت الأزمة السورية مرحلة الاضطراب الأولي لتستقر في مرحلة “الأزمة المزمنة”، حيث أصبحت ندرة الموارد، والتضخم الجامح، وتدهور القوة الشرائية، والاعتماد المتزايد على التحويلات الخارجية، هي المعطيات الثابتة.

من منظور علم البيانات وتحليل الاستطلاعات، يمكننا ملاحظة أن السلوك الاستهلاكي لم يعد مدفوعاً بالرغبة (Want) بقدر ما هو مدفوع بالضرورة المطلقة (Need). وهذا التحول الجذري يتطلب إعادة تقييم لكافة النماذج التقليدية لدراسة السوق.

التحديات الرئيسية المؤثرة على القرارات الشرائية:

  1. القدرة الشرائية المنهارة: مع تآكل قيمة العملة الوطنية بشكل كبير، تحول التركيز من جودة المنتج إلى توفره وسعره بالعملة الأجنبية أو ما يعادله.
  2. تقلبات سلاسل الإمداد: أدت العقوبات، والقيود اللوجستية، والتحديات الأمنية إلى تقطعات متكررة في توفر بعض السلع، مما يجبر المستهلك على التحول إلى بدائل متاحة (Substitution Effect).
  3. الشك وعدم اليقين: البيئة السياسية والاقتصادية غير المستقرة تجعل المستهلك متردداً في اتخاذ قرارات الشراء الكبيرة، ويزيد من تفضيله للادخار القسري (إذا أمكن) أو شراء الاحتياجات الأساسية فقط.

إن رصد هذه العوامل عبر أبحاث الرأي العام في سوريا يوضح أن الثقة في الأسواق المحلية قد تراجعت، مما يعزز دور الأسواق غير الرسمية أو الموازية كبديل رئيسي.

منهجية “إِنسايت سوريا”: محاكاة سلوك الشراء لعائلة سورية نموذجية

لإجابة سؤال هل حقًا يتغير نمط الشراء في الأزمات؟ بشكل ملموس، قمنا في فريق التحليل الاجتماعي والاقتصادي بإنشاء سيناريو محاكاة تسوّق (Shopping Simulation) لعائلة سورية افتراضية (مكونة من أربعة أفراد، متوسطة الدخل قبل الأزمة، تعيش في إحدى المدن الرئيسية). هذه المحاكاة تعتمد على بيانات واقعية لأسعار السلع الأساسية خلال الربع الأخير من العام، وتتبع مسار قرارات الشراء في ظل ميزانية شهرية محدودة.

حالة الدراسة: “أسرة أحمد” (محاكاة بياناتية)

لنفترض أن “أسرة أحمد” كان لديها ميزانية شهرية يمكن أن تغطي سلتها الأساسية قبل ثلاث سنوات، ولكنها الآن لا تستطيع تغطية سوى 60% من نفس السلة بنفس القيمة الاسمية.

المرحلة الأولى: تحليل الإنفاق قبل الأزمة (Baseline)

في هذا السيناريو، كانت الأسرة تخصص الإنفاق وفقاً لنسب تقريبية (كمثال):

  • الغذاء والمواد الأساسية: 45%
  • الإيجار والمرافق: 25%
  • التعليم والصحة: 15%
  • كماليات (ملابس، ترفيه بسيط): 15%

المرحلة الثانية: واقع الشراء في ظل الأزمة الحالية (Post-Crisis Simulation)

عند تطبيق الميزانية المتاحة حالياً على نفس الاحتياجات، نرى تحولاً دراماتيكياً في تفضيلات المستهلك السوري:

1. الغذاء: التحول من الجودة إلى الكمية الضرورية:

  • الاستبدال (Substitution): تم استبدال البروتينات الأعلى سعراً (اللحوم الحمراء أو الدواجن عالية الجودة) بمصادر أرخص (البقوليات، البيض). هذا يغير التركيب الغذائي، وهو تغيير ملاحظ في التركيبة السكانية لاستهلاك الغذاء.
  • تقليل الهدر وإعادة التدوير: زيادة الوعي بضرورة استهلاك كل جزء من المشتريات، والبحث عن الأحجام العائلية الكبيرة (إذا كانت التكلفة الإجمالية أقل، حتى لو كانت القيمة المطلقة أكبر).
  • التركيز على المنتجات المحلية: الابتعاد عن المنتجات المستوردة التي ارتفعت أسعارها بشكل غير متناسب نتيجة لتعقيدات الاستيراد.

2. السلع غير الغذائية: تأجيل وقبول البدائل الرخيصة:

  • الملابس والأثاث: تمديد عمر الاستخدام لأقصى حد. الشراء يقتصر على الضرورة القصوى (ملابس للأطفال النامية فقط). يتم اللجوء إلى أسواق “المستعمل” أو “الخردة” بشكل موسع. هذا يؤثر بشكل مباشر على قطاع التجزئة التقليدي.
  • الصحة والأدوية: أصبح شراء الأدوية غير الموصوفة طبياً (OTC) خاضعاً لرقابة شديدة. يتم تأجيل زيارات الطبيب غير الطارئة.
  أبحاث السوق قوة دعم إعادة إعمار سوريا باستراتيجيات فعالة

3. المرافق والطاقة: إدارة التقنين:

في المناطق التي تعاني من تقنين مستمر للكهرباء والمازوت، يصبح الشراء موجهاً بشكل صارم نحو “أجهزة توفير الطاقة” أو شراء الوقود بكميات صغيرة متكررة بدلاً من التخزين (لأن التخزين غير ممكن أو مكلف جداً).

هذه المحاكاة تبرهن بوضوح: نعم، يتغير نمط الشراء في الأزمات؛ بل ويتحول إلى نمط “البقاء الاقتصادي” (Economic Survival Mode).

دور البيانات والتحليل في تتبع “المرونة الشرائية” السورية

في “إِنسايت سوريا”، نستخدم أدوات تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics)، إلى جانب الاستبيانات الميدانية المتخصصة، لتجاوز مجرد الوصف والوصول إلى التنبؤ بسلوكيات الاستهلاك المستقبلية. إن رصد تغيرات مؤشر أسعار المستهلك السوري (CPI) لم يعد كافياً؛ يجب ربطه بالمسوحات السلوكية.

تحليل البيانات يكشف عن “الطبقات المتغيرة” للمستهلكين

ليست كل العائلات السورية تتأثر بنفس الدرجة. يوضح تحليلنا تباينات حادة بناءً على مصدر الدخل:

  1. الاعتماد على التحويلات الخارجية (الدولار): هذه الشريحة أكثر قدرة على الحفاظ على مستوى معين من الجودة في مشترياتها، لكنها شديدة الحساسية لتقلبات سعر الصرف اللحظي (Spot Rate). يميلون إلى الشراء بكميات كبيرة عندما يشعرون أن العملة المحلية ستنخفض مجدداً.
  2. الاعتماد على الرواتب الحكومية أو المدخول المحلي: هذه الشريحة هي الأكثر تضرراً، وتظهر أقصى درجات “التقشف القسري”. هي الأكثر عرضة للبحث عن أرخص السلع في السوق السوري بشكل يومي.
  3. القطاع التجاري والخدمي المتكيف: بعض الأسر نجحت في تعديل أعمالها لتلبية احتياجات الأزمة (مثل التجارة بالمواد الأساسية أو الخدمات اليدوية المطلوبة بشدة). هؤلاء قد يزيدون من إنفاقهم على أدوات العمل أو المواد الخام أكثر من الاستهلاك المنزلي التقليدي.

هذا التباين يتطلب من أي جهة تسويقية أو إغاثية تكييف رسائلها وخدماتها بشكل دقيق، وهو ما نؤمن به بشدة في منهجيتنا القائمة على التحليل التفصيلي للبيانات الاجتماعية.

استراتيجيات التأقلم التي يتبناها المستهلك السوري

عندما يتغير نمط الشراء، فإن ذلك يعني بالضرورة ظهور استراتيجيات تأقلم جديدة. هذه الاستراتيجيات هي ما يسعى المحللون والمنظمات لفهمه لضمان وصول المساعدات أو فعالية المنتجات.

1. “التسوق التكتيكي” (Tactical Shopping)

لم يعد التسوق عملية روتينية. إنه يصبح عملية تكتيكية تتضمن:

  • البحث عن العروض اليومية (Daily Deals): التحول إلى الأسواق التي تشتهر بتقديم أسعار أقل في أيام محددة، حتى لو تطلب ذلك وقتاً وجهداً إضافياً للتنقل بين مناطق مختلفة.
  • الشراء بالكميات الصغيرة المتكررة: بسبب انعدام الثقة في استقرار الأسعار، يفضل الكثيرون شراء ما يكفيهم ليوم أو يومين فقط (Buy-to-Need) لتجنب خسارة قيمة النقود في حال انخفضت قيمتها بين عشية وضحاها. هذا التكتيك يغير من سلوك سلاسل التوزيع بشكل كبير.
  • الاعتماد على “البقال المحلي” مقابل السوبر ماركت: البقال الصغير في الحي غالباً ما يوفر مرونة أكبر في الدفع (آجل أو بالتقسيط المحدود) أو يقبل مقايضات بسيطة، مما يجعله أكثر جاذبية من السوبر ماركت الذي يتطلب دفعاً فورياً بالقيمة الكاملة. هذا يعكس أهمية العلاقات الاجتماعية في الشراء في البيئة السورية.

2. إعادة تعريف “القيمة” (Redefining Value)

في ظل الأزمة، لا تعني “القيمة” بالضرورة أعلى جودة. بل تعني:

  • القيمة مقابل الطاقة المستهلكة: ما هو المنتج الذي يستهلك أقل قدر من الطاقة أو الوقت لإعداده (مما يوفر وقوداً أو وقتاً ثميناً للبحث عن بدائل)؟
  • القيمة الاجتماعية: هل المنتج (أو الخدمة) يحافظ على مكانة اجتماعية معينة (لأنه لا يمكن الاستغناء عنها تماماً)؟
  • القيمة الصحية الأساسية: التركيز فقط على العناصر التي تضمن البقاء الصحي بأدنى تكلفة ممكنة.

إن تحليل هذه المحددات الجديدة للقيمة هو جوهر ما نقدمه لعملائنا من جهات حكومية ومنظمات تبحث عن تحليل دقيق لمدى استجابة الجمهور لبرامجها.

تداعيات التغيرات الشرائية على الأعمال والمنظمات

بالنسبة للشركات التي ترغب في الاستثمار أو إيصال المساعدات في سوريا، فإن تجاهل كيفية تغير نمط الشراء يعني فشلاً محتوماً في تحقيق الأهداف.

نصائح مبنية على تحليل البيانات لسوق صعب:

للمنظمات الإنسانية:

التركيز على برامج “النقد المشروط” (Conditional Cash Transfers) أصبح أقل فعالية من برامج “المساعدات العينية المحددة” (In-Kind Aid) للسلع ذات الأولوية القصوى (مثل الخبز المدعوم أو المحروقات المنظمة)، لأن القوة الشرائية للنقد تتغير بسرعة هائلة. يجب أن تركز المساعدات على سلع ذات طلب ثابت لا يتأثر بالتقلبات اللحظية، وأن تكون محددة لتقليل مخاطر تحويلها إلى عملة أجنبية غير خاضعة للرقابة.

  بناء حملات إعلامية ناجحة في سوريا فهم عميق للثقافة

للقطاع الخاص (الشركات التجارية):

  • تعديل أحجام العبوات: الانتقال إلى أحجام أصغر “تفتح الباب” للشراء اليومي (Single-Use or Small Portions)، حتى لو كانت التكلفة لكل وحدة أعلى، لأن القيمة المطلقة للشراء اليومي هي ما يهم المستهلك.
  • التركيز على سلاسل التوزيع الموازية: يجب توطيد العلاقات مع الباعة المحليين والأسواق الشعبية التي لا تزال تعمل بمرونة (وهي معلومة يصعب الحصول عليها دون تحليل شبكات التوزيع في الأزمات).
  • الشفافية في التسعير: في بيئة تقل فيها الثقة، يحتاج المستهلك إلى معرفة سبب التغيير في السعر. حتى لو كان السعر مرتفعاً، فإن الشفافية المبررة (مثل: “هذا السعر بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد بمقدار X”) يمكن أن تقلل من ردود الفعل السلبية.

دور الإحصاءات الاجتماعية في بناء الثقة

عندما تتعامل الشركات أو الحكومات مع الجمهور السوري، فإن الثقة أهم من المنتج. أظهرت دراساتنا أن الجمهور يميل إلى التعامل مع الكيانات التي تظهر فهماً عميقاً لـ تحديات الحياة اليومية للمواطن السوري. وهذا الفهم لا يأتي إلا من خلال أبحاث السوق النوعية والكمية المتخصصة في السياق السوري، وليس من خلال النماذج المستوردة من الخارج.

إن نشر تحليلات شفافة حول التغيرات في أنماط الاستهلاك يساعد على بناء جسر من المصداقية. فعندما يرى القارئ أننا نتحدث عن “أسرة أحمد” وتحدياتها الدقيقة، فإنه يثق في أن البيانات التي نجمعها هي بيانات حقيقية وذات صلة.

مستقبل نمط الشراء: نحو التكيف المستدام أم الاستنزاف؟

السؤال الأخير الذي يطرحه محللونا هو: هل وصلنا إلى مستوى “التكيف المستدام” في نمط الشراء في الأزمات، أم أننا ما زلنا في مرحلة “الاستنزاف” حيث يستمر الانخفاض في مستوى المعيشة؟

تشير بياناتنا الحالية إلى أننا ما زلنا في مرحلة الاستنزاف المستمر، لكن مع ظهور “مرونة تكيفية” في سلوك المستهلك. الناس أصبحوا “أفضل” في إيجاد طرق للحصول على الضروريات بأقل ثمن، لكن هذا التحسن لا يعكس زيادة في الدخل، بل انخفاضاً في المعايير المطلوبة للبقاء.

الاتجاه نحو “اقتصاد المقايضة” غير الرسمي

نلاحظ عودة خجولة لكنها مؤثرة لبعض أشكال المقايضة والتبادل التجاري غير النقدي بين الجيران والأقارب، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية. هذا يمثل هروباً من التداول النقدي غير المستقر. إن رصد حجم هذا الاقتصاد الموازي يتطلب تقنيات متقدمة في علم البيانات الميدانية تختلف عن استطلاعات الرأي التقليدية.

الأثر على القرارات الاستثمارية طويلة الأمد

بالنسبة للمؤسسات التي تخطط للمرحلة القادمة، فإن التوقعات تشير إلى أن المستهلك السوري سيحتفظ بثلاثة أنماط أساسية:

  1. التركيز الشديد على الأساسيات: لن يعود الإنفاق على الكماليات إلى مستوياته السابقة إلا بعد استقرار اقتصادي طويل الأمد.
  2. الولاء للمصادر الموثوقة (حتى لو كانت أغلى قليلاً): الولاء هنا يعني المصداقية في التوزيع وعدم التلاعب بالوزن או الجودة.
  3. تفضيل المنتجات المحلية الفعالة: المنتجات المصنعة محلياً والتي تقدم حلاً فعالاً للتحديات (مثل بدائل الطاقة أو المواد الغذائية المصنعة محلياً) ستكتسب ميزة تنافسية مستدامة.

الخلاصة: الخبرة في “إِنسايت سوريا” لفك شفرة السوق

إن الإجابة القاطعة على سؤال: هل حقًا يتغير نمط الشراء في الأزمات؟ هي نعم مدوية، وتتجاوز مجرد شراء كميات أقل. إنه تحول جذري في الأولويات، وفي طرق اتخاذ القرار، وفي تحديد معنى “القيمة”.

في “إِنسايت سوريا”، لا نكتفي بطرح السؤال، بل نقدم الإجابات المدعومة بمنهجيات علمية صارمة. سواء كنتم جهة حكومية تسعى لضبط الأسواق، أو منظمة دولية تهدف لضمان وصول المساعدات بأقصى كفاءة، أو مستثمراً يسعى لفهم ديناميكيات المستهلك السوري المتكيف والصامد، فإن خبرتنا في تحليل البيانات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي جسركم نحو فهم هذا السوق المعقد. نحن هنا لتحويل البيانات المعقدة إلى رؤى استراتيجية واضحة تمكنكم من العمل بفعالية في السياق السوري الفريد.

للحصول على تحليل مفصل لقطاعكم المستهدف، أو لدمج بياناتنا الميدانية في استراتيجيتكم القادمة، ندعوكم للتواصل مع فريق الخبراء في “إِنسايت سوريا”.