كيف تغيّرت مواقف الشباب السوري خلال السنوات الأخيرة؟ قراءة في المشهد عبر عدسة البيانات
- تحولات جذرية في الوعي والمستقبل للشباب السوري.
- الاقتصاد المتدهور كعامل رئيسي في تغيير المواقف.
- الإرهاق السياسي وتراجع الانخراط المباشر.
- الرغبة في البقاء والهجرة: الميزان المتقلب.
- الثقة في الإعلام والتكنولوجيا وتأثيرهما في تشكيل المواقف.
فهرس المحتويات
- المحور الأول: التحديات الاقتصادية والتغير في أولويات الشباب
- المحور الثاني: المواقف السياسية والاجتماعية
- المحور الثالث: الهجرة والرغبة في البقاء
- المحور الرابع: الثقة في الإعلام والتكنولوجيا
- المحور الخامس: بناء الثقة وإمكانات التعاون المستقبلي
المحور الأول: التحديات الاقتصادية والتغير في أولويات الشباب (المحرك الأكبر للتغيير)
إذا أردنا تحديد العامل الأكثر تأثيراً في تغير مواقف الشباب السوري، فإنه يتصدره حتماً الوضع الاقتصادي المتدهور. فقد تجاوزت الأزمة الاقتصادية مرحلة “الضائقة” لتصبح “أزمة وجودية” بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب.
أ. تآكل الثقة في إمكانيات العمل المحلي
في السنوات الأولى للأزمة، كان بعض الشباب، خاصة في المناطق التي شهدت استقراراً نسبياً، يعتمدون على فرص عمل متفرقة أو إعادة بناء بعض القطاعات. اليوم، تظهر بياناتنا انخفاضاً حاداً في التفاؤل بفرص العمل المتاحة داخل سوريا.
تحليل البيانات يوضح:
- التحول من “البحث عن وظيفة جيدة” إلى “البحث عن أي مصدر دخل”: تراجعت النسبة المئوية للشباب الذين يحددون “الحصول على وظيفة ذات قيمة مهنية” كهدف رئيسي بنسبة تجاوزت 40% مقارنة ببيانات عام 2018. المقابل، ارتفعت نسبة من يركزون على تأمين الدخل الأساسي، حتى لو كان ذلك عبر العمل غير المنظم أو “الاقتصاد الرمادي”.
- تراجع أهمية التعليم التقليدي كضمان مستقبلي: يشير عدد متزايد من المستطلعات آراؤهم إلى أن الشهادة الجامعية لم تعد ضمانة للتوظيف أو الاستقرار الاقتصادي. هذا أدى إلى تزايد الاهتمام بـ مهارات العمل الحر (Freelancing) والمهارات الرقمية كمسارات بديلة، خاصة لدى الشباب المتعلم تقنياً.
ب. مفهوم “الاستقرار” الاقتصادي: تحديث التعريف
لم يعد الاستقرار يعني امتلاك عقار أو وظيفة حكومية مستقرة كما كان في السابق. نتيجة للتضخم الهائل وتدهور قيمة الليرة، أصبح الاستقرار يُقاس بالقدرة على “تحويل القيمة” والحفاظ على المدخرات أو القدرة على شراء العملات الأجنبية للحماية من التدهور. هذا التحول الفكري يعكس شعوراً عميقاً بانعدام اليقين الاقتصادي على المدى الطويل.
المحور الثاني: المواقف السياسية والاجتماعية: بين التعبئة والتراجع
شهدت المواقف السياسية للشباب السوري تحولاً معقداً، يمكن وصفه بأنه “تراجع في الانخراط المباشر” مصحوباً بـ “تطرف في وجهات النظر الأساسية”.
أ. الإرهاق السياسي وتراجع الاهتمام الرسمي
بعد سنوات من الانخراط العاطفي أو المباشر في المشهد السياسي (سواء بالتأييد أو المعارضة)، تشير دراساتنا إلى ظاهرة الإرهاق السياسي (Political Fatigue).
بيانات Insight Syria حول الانخراط:
- انخفضت نسبة الشباب الذين يتابعون الأخبار السياسية “يومياً” إلى أدنى مستوياتها المسجلة منذ عام 2014. هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام بالقضية الوطنية، بل هو تحول في آليات المتابعة؛ حيث يفضلون الآن المعلومات المختصرة والموثوقة عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلاً من المتابعة التفصيلية للأحداث الرسمية.
- تراجعت الثقة في معظم الأطراف السياسية الفاعلة (سواء داخل أو خارج سوريا) بشكل كبير. كيف تغيّرت مواقف الشباب السوري هنا؟ لقد انتقل التركيز من “من سيحكم؟” إلى “كيف سأعيش؟”. البراغماتية حلت محل الأيديولوجيا كدافع أساسي لاتخاذ القرارات الحياتية.
ب. تزايد التركيز على القضايا الخدمية والمحلية
أصبح الاهتمام منصباً على القضايا التي تمس الحياة اليومية مباشرة: الكهرباء، المحروقات، الرعاية الصحية، والتعليم. هذا التوجه نحو التركيز على الشأن المحلي هو نتيجة مباشرة لغياب أي رؤية سياسية شاملة توفر حلاً لهذه الاحتياجات الأساسية.
الشباب السوريون اليوم أكثر استعداداً لدعم المبادرات المجتمعية والخدمية المحلية (حتى لو كانت تعمل ضمن إطار سياسي معين) طالما أنها تقدم نتائج ملموسة، مقارنة بتبني الشعارات السياسية الكبرى التي لم تحقق وعودها.
ج. مفهوم الهوية والانتماء: تعقيدات الانقسام
تعد الهوية من أكثر الجوانب حساسية في تحليل مواقف الشباب السوري. الانقسامات القديمة ما زالت موجودة، لكن طريقة تعبير الشباب عنها قد تغيرت:
- التكيُّف مع الواقع الجغرافي: يلاحظ ازدياد في التماهي مع “الهوية المحلية” (المدينة، المنطقة الجغرافية المباشرة) كآلية دفاعية وتأكيدية في ظل ضعف الهوية الوطنية الشاملة.
- التباعد الأيديولوجي: البيانات تشير إلى تزايد “المرونة الإيديولوجية” لدى قطاعات واسعة، خاصة في المناطق التي شهدت تغيرات متكررة في السيطرة. الولاء أصبح للمستفيد أو المؤمّن، وليس بالضرورة للقضية المجردة.
المحور الثالث: الهجرة والرغبة في البقاء: الميزان المتقلب
ربما يكون السؤال الأهم في أي بحث اجتماعي سوري هو: هل الشباب يريدون البقاء أم الرحيل؟ الإجابة ليست بسيطة، بل هي حالة تذبذب مستمر تعكس التحديات الحالية.
أ. الموجة الثانية من “هجرة الكفاءات”
بعد موجة الهجرة الكبيرة التي تبعت السنوات الأولى للأزمة، نشهد حالياً “موجة ثانية” تتميز بخصائص مختلفة تماماً، وهي ما يثير قلقاً كبيراً لدى المؤسسات التنموية.
| السمة | الموجة الأولى (2013-2016) | الموجة الحالية (2021-الوقت الحاضر) |
|---|---|---|
| الدافع الرئيسي | الخوف المباشر من القتال أو الملاحقة الأمنية. | اليأس الاقتصادي، وغياب الأفق المستقبلي. |
| التركيبة السكانية | عائلات، وأفراد ذوو خلفيات تعليمية متباينة. | غالبيتهم من فئة الشباب المتعلم والمهنيين (هجرة الكفاءات). |
| الوجهة المفضلة | الدول المجاورة (تركيا، لبنان، الأردن). | أوروبا الغربية أو دول الخليج (لتحقيق دخل أعلى). |
هذه “هجرة الأدمغة” تترك فراغاً كبيراً في الكوادر القادرة على إعادة بناء البلاد. إن تحليل بيانات حقيقية يؤكد أن نسبة الشباب الذين لديهم خطة هجرة فعالة (حصلوا على تأشيرة أو لديهم مسار واضح) ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الثلاث الأخيرة.
ب. الدافع المعاكس: “التمسك بالأرض” (Rootedness)
رغم ارتفاع نسب الرغبة في الهجرة، هناك فئة لا يستهان بها تختار البقاء. كيف تغيّرت مواقف الشباب السوري تجاه البقاء؟
لقد تحول البقاء من كونه “خياراً مفروضاً” إلى “خيار واعٍ” مدفوع بعوامل نفسية واجتماعية قوية:
- الروابط الأسرية والاجتماعية: شعور بالمسؤولية تجاه الأسرة الممتدة التي لا تستطيع السفر.
- الشعور بالانتماء والهوية: بالنسبة لبعض الشباب، البقاء هو شكل من أشكال المقاومة الوجودية أو الحفاظ على الهوية الثقافية في مواجهة العولمة أو الاندماج القسري في مجتمعات جديدة.
- التشبيك المحلي: تطوير شبكات عمل ودعم اجتماعي محلي أصبحت أقوى من الشبكات التي قد يتمكنون من بنائها في الخارج.
هذا التناقض بين الرغبة في الرحيل والحاجة إلى البقاء هو جوهر الصراع النفسي للشباب السوري اليوم.
المحور الرابع: الثقة في الإعلام والتكنولوجيا (تغير مسارات المعلومات)
في ظل سيطرة الروايات المتناقضة، أصبح الشباب السوريون أكثر مهارة في “فلترة” المعلومات، مما يؤثر على طريقة تشكيل مواقفهم.
أ. تراجع سلطة الإعلام التقليدي
كشفت دراساتنا في رصد الرأي العام السوري أن الثقة في القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية “الرسمية” أو “المعارضة التقليدية” قد تراجعت بشكل مطرد. الشباب يعتمدون بشكل كبير على مصادر المعلومات الموجهة اجتماعياً.
كلمات مفتاحية مرتبطة بالاستهلاك الإعلامي:
- محتوى سريع وموثوق: يفضل الشباب المحتوى الذي يتم تقديمه عبر فيديوهات قصيرة (Reels/TikTok) من أشخاص يرون فيهم مصداقية شخصية (Influencers أو خبراء محليين)، حتى لو كان المحتوى يفتقر إلى التفاصيل المنهجية.
- تأثير المنصات الخارجية: منصات مثل “إكس” (تويتر سابقاً) و”تيليجرام” تلعب دوراً حاسماً في نشر المعلومات العاجلة، لكنها أيضاً مصدر رئيسي لنشر المعلومات المضللة.
ب. دور التكنولوجيا كـ “شريان حياة”
التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة ترفيه، بل أصبحت شريان حياة للمحافظة على الروابط الاجتماعية والعمل. كيف تغيّرت مواقف الشباب السوري تجاه الرقمنة؟ لقد أصبحوا أكثر إدراكاً لأهمية الحماية السيبرانية والخصوصية، مع تزايد المخاوف الأمنية المرتبطة باستخدام الإنترنت.
كما أن ظهور العملات الرقمية والتحويلات الإلكترونية (رغم القيود المفروضة عليها) قد وفر بصيص أمل للشباب لإجراء معاملاتهم خارج إطار النظام المصرفي التقليدي المتداعي.
المحور الخامس: بناء الثقة وإمكانات التعاون المستقبلي (رؤية Insight Syria)
إن تحليل بيانات حقيقية حول هذه التحولات يقدم رؤى لا غنى عنها للمنظمات الحكومية وغير الحكومية والجهات الدولية التي تسعى لتقديم تدخلات فعالة ومستدامة في سوريا.
في “إنسايت سوريا”، ندرك أن العمل في هذا السياق يتطلب أكثر من مجرد جمع الأرقام؛ إنه يتطلب فهماً للسياق الثقافي والنفسي الذي يوجه هذه المواقف.
أ. ضرورة تصميم برامج موجهة حسب الاحتياج الفعلي
البيانات تظهر أن برامج المساعدات والتدريب يجب أن تتجاوز التصنيفات العامة (النازح، المقيم) إلى تصنيفات أكثر دقة تعكس الأولويات المتغيرة للشباب:
- برامج بناء المرونة الاقتصادية: التركيز على دعم ريادة الأعمال الصغيرة جداً، وتوفير التدريب على المهارات الرقمية المطلوبة عالمياً، بدلاً من التركيز على القطاعات التقليدية المشبعة.
- التواصل الموثوق: يجب على المنظمات التي تسعى للوصول إلى الشباب أن تستخدم قنوات التواصل التي يثقون بها، وبناء رسائل تتسم بالشفافية والواقعية حول ما يمكن تحقيقه.
ب. بناء الجسور بين الأجيال
تُظهر تحليلاتنا وجود فجوة متنامية في الفهم بين الجيل الأكبر سناً (الذي قد يتمسك بمنظورات سياسية واقتصادية قديمة) والشباب الذي تبنى براغماتية قاسية نتيجة للظروف المعاشة. أي استراتيجية ناجحة تتطلب برامج تهدف إلى تعزيز الحوار وفهم دوافع الجيل الجديد، بعيداً عن إطلاقات الأحكام المسبقة.
ج. أهمية الأبحاث المستمرة والدقيقة
لتتبع كيف تغيّرت مواقف الشباب السوري بشكل مستمر، نحتاج إلى منهجيات بحث مرنة وقادرة على التكيف مع التغيرات الميدانية السريعة. الاعتماد على أدوات جمع البيانات الميدانية الموثوقة والتحليل السردي (Qualitative Analysis) إلى جانب الإحصائيات الكمية هو مفتاح النجاح. إن الشركات والجهات الحكومية التي تستثمر في أبحاث دقيقة ومستمرة هي الوحيدة القادرة على توقع الاتجاهات بدلاً من مجرد التفاعل معها.
إن المشهد السوري للشباب هو مشهد معقد، مليء بالتحديات، ولكنه أيضاً يحمل بذور مرونة وإبداع استثنائيين. إن فهم مواقفهم المتغيرة – مدفوعة بالضرورة الاقتصادية واليأس السياسي المتراكم – هو البوصلة التي تحدد مسار أي جهد تنموي أو سياسي مستقبلي في البلاد. إن استمرار “إنسايت سوريا” في تقديم هذه الرؤى القائمة على الأدلة يضمن أن القرارات المتخذة حول سوريا تستند إلى حقائق الأرض وليس التوقعات.
الأسئلة المتكررة
ما هي الأسباب الرئيسية لتغير مواقف الشباب السوري؟
تتعلق الأسباب الرئيسية بتدهور الأوضاع الاقتصادية، الإرهاق السياسي، وتغير المفاهيم حول الهوية والانتماء.
كيف يؤثر الوضع الاقتصادي على الشباب؟
يؤثر الوضع الاقتصادي بشكل كبير على الفرص المتاحة للعمل، مما يدفع الشباب إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
هل يفضل الشباب السوري الهجرة أم البقاء؟
تتراوح مواقف الشباب بين الرغبة في الهجرة بسبب اليأس الاقتصادي والرغبة في البقاء بسبب الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء.
ما هو دور التكنولوجيا في حياتهم؟
تعتبر التكنولوجيا أداة حيوية للحفاظ على الروابط الاجتماعية والبقاء على اتصال، فضلاً عن تسهيل الوصول إلى المعلومات.



